صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
30
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
بيده لأقاتلنّهم على أمري هذا حتّى تنفرد سالفتي « 1 » ، ولينفذنّ اللّه أمره » . فقال بديل : سأبلّغهم ما تقول . قال : فانطلق حتّى أتى قريشا ، قال : إنّا جئناكم من هذا الرّجل ، وسمعناه يقول قولا ، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا . فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء . وقال ذوو الرّأي منهم : هات ما سمعته يقول . قال : سمعته يقول : كذا وكذا . فحدّثهم بما قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . فقام عروة بن مسعود فقال : أي قوم ، ألستم بالوالد ؟ قالوا : بلى . قال : أو لست بالولد ؟ قالوا : بلى . قال : فهل تتّهموني ؟ قالوا : لا . قال : ألستم تعلمون أنّي استنفرت أهل عكاظ ، فلمّا بلّحوا « 2 » عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟ قالوا : بلى . قال : فإنّ هذا قد عرض عليكم خطّة رشد اقبلوها ودعوني آته . قالوا ائته ، فأتاه ، فجعل يكلّم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم نحوا من قوله لبديل . فقال عروة عند ذلك : أي محمّد ، أرأيت إن استأصلت أمر قومك ، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك ؟ وإن تكن الأخرى ، فإنّي واللّه لا أرى وجوها ، وإنّي لأرى أشوابا « 3 » من النّاس خليقا أن يفرّوا ويدعوك . فقال له أبو بكر : امصص بظر اللّات « 4 » ، أنحن نفرّ عنه وندعه . فقال : من ذا ؟ قالوا : أبو بكر . قال : أما والّذي نفسي بيده ، لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك . قال : وجعل يكلّم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكلّما تكلّم كلمة أخذ بلحيته ، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ومعه السّيف وعليه المغفر ، فكلّما أهوى عروة بيده إلى لحية النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ضرب يده بنعل السّيف ، وقال له : أخّر يدك عن لحية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فرفع عروة رأسه ، فقال : من هذا ؟ . قال : المغيرة بن شعبة . فقال : أي غدر « 5 » ، ألست أسعى في غدرتك ؟ . وكان المغيرة صحب قوما في الجاهليّة فقتلهم وأخذ أموالهم ثمّ جاء فأسلم . فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم « أمّا الإسلام فأقبل ، وأمّا المال فلست منه في شيء » . ثمّ إنّ عروة جعل يرمق أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعينيه . قال : فو اللّه ما تنخّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نخامة إلّا وقعت في كفّ رجل منهم فدلّك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضّا كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدّون إليه النّظر تعظيما له ، فرجع عروة إلى أصحابه ، فقال : أي قوم ، واللّه لقد وفدت على الملوك ، ووفدت على قيصر وكسرى والنّجاشيّ ، واللّه ، إن رأيت مليكا قطّ يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم محمّدا . واللّه ، إن يتنخّم نخامة إلّا وقعت في كفّ رجل منهم ، فدلّك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضّأ
--> ( 1 ) سالفتي : السالفة هي صفحة العنق . والمعنى من قوله حتى تنفرد سالفتي كناية عن القتل أو القتال وحيدا . ( 2 ) بلّحوا : التبلّح هو الامتناع عن الإجابة : وبلحوا بمعني امتنعوا عن أداء ما عليهم . ( 3 ) الأشواب : الأخلاط من أنواع شتى . ( 4 ) امصص بظر اللات : البظر قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة واللات : صنم لهم ، وكانت عادة العرب الشتم بذلك لكن بلفظ الأم فأراد أبو بكر المبالغة في سب عروة بإقامة من كان يعبد مقام أمه . ( 5 ) غدر : من غادر وهي مبالغة في وصفه بالغدر .